كيف تغيّر الرياضة ذاكرة بيروت
حين تصير الواجهة البحرية ملعبًا مؤقتًا
في بيروت، لا يحتاج الملعب إلى عشب كي يكون ملعبًا. أحيانًا يكفي رصيف واسع، شاشة كبيرة، ومجموعة من الأجساد التي قررت أن تتحرك في المكان بدل أن تعبره بسرعة.
هذا ما يلفتني في مهرجان NOKNOK الرياضي، المقرر إقامته من 14 إلى 19 تموز 2026 في Seaside Arena على واجهة بيروت البحرية. ليس الحدث مجرد برنامج من الرياضات والأنشطة، بحسب تفاصيل مهرجان NOKNOK الرياضي في بيروت، بل محاولة لاستعمال جزء من المدينة بوصفه مساحة مشتركة، ولو لفترة قصيرة.
المدينة التي لا تُستعمل بما يكفي نحن نعرف الواجهة البحرية غالبًا من خلال النظر إليها: نمشي بمحاذاتها، نلتقط صورًا، ننتظر غروبًا لا يغيّر شيئًا في علاقتنا بالمكان. لكن المدينة لا تصبح عامة لمجرد أنها مفتوحة للعين. تصير عامة حين يمكن للجسد أن يجد فيها فعلًا بسيطًا لا يحتاج إلى شراء شيء: أن يركض، يلعب، يشاهد مباراة، أو يجلس قرب غرباء لا يعرفهم.
وجود أكثر من 24 اتحادًا رياضيًا، وأنشطة لياقة، ورياضيين دوليين، وشاشات لعرض مباريات كأس العالم، يوسّع معنى المهرجان. الرياضة هنا ليست منافسة فقط. إنها طريقة لجعل المساحة مرئية من جديد، ولإعادة توزيع الانتباه بين المتفرج والمشارك، بين من يعرف قواعد اللعبة ومن يكتفي بالوقوف عند الحافة.
أكثر من 250 علامة، وأقل من وعد كبير تشارك في المهرجان أكثر من 250 علامة تجارية، وهذه نقطة لا ينبغي تجاهلها. الفعاليات العامة لا تعيش خارج السوق، ولا يصح تقديمها كأنها فعل بريء تمامًا. هناك رعاة، منتجات، إعلانات، واستهلاك. لكن وجود التجارة لا يلغي تلقائيًا قيمة المكان، كما أن اللغة الاحتفالية لا تجعل كل شيء عامًا.
السؤال الأدق ربما هو: ماذا يبقى للمدينة بعد انتهاء الأيام الستة؟ هل تبقى الواجهة مجرد خلفية لحدث ناجح، أم تترسخ فيها عادة جديدة، عادة استخدام المكان للرياضة واللقاء لا للمشاهدة فقط؟ لا أملك جوابًا. المدن لا تغيّر ذاكرتها من خلال مهرجان واحد، لكنها قد تضع فيه علامة صغيرة.
ذاكرة الحركة لدى بيروت قدرة غريبة على حفظ ما يحدث فيها بطريقة غير مرتبة. شارع يتذكر مظاهرة، مقهى يتذكر قصيدة، وواجهة بحرية تتذكر مباراة شاهدها مئات الأشخاص في مساء حار.
ربما قيمة هذا المهرجان، إن حدث كما هو معلن، لن تكون في عدد الرياضات ولا في لمعان الشاشات، بل في تلك الذاكرة القصيرة التي تتركها الأجساد حين تتحرك معًا. مدينة تتعب من انقطاع الكهرباء، والازدحام، والانتظار، قد تحتاج أحيانًا إلى مشهد لا يحل مشكلاتها، لكنه يذكّرها بأنها ما زالت قادرة على التجمع حول شيء غير الخوف.